في خضم الأحداث المعقدة التي شهدها السودان، برزت شخصية “الانصرافي” كصوت قوي وحاضر، ساعيًا إلى وضع أسس واضحة لاستقرار الوطن، رغم الخلافات الشخصية مع الشيخ الأمين، الذي عُرف بدوره في فترات سابقة من الحكم.

ومع دخول المليشيات إلى الخرطوم، العاصمة المثلثة، تصاعدت الصراعات وبدأت التساؤلات حول الولاءات والانتماءات. ومع تقدم الجيش السوداني لاستعادة وتطهير العاصمة، وبدء محاولات إعادة بناء ما دمرته الحرب، تصاعدت الاتهامات ضد من وُصفوا بالمتعاونين مع مليشيا الدعم السريع.

في هذا المشهد المضطرب، برز الانصرافي كأحد الأصوات المؤثرة، داعيًا إلى الوحدة في وقت كانت فيه البلاد على حافة الانهيار. فقدت العاصمة السيطرة، ثم بدأت تعود تدريجيًا مع تحركات الجيش واستنفار المواطنين، بينما ظلت الموارد المنهوبة، من ذهب وغيره، خارج السيطرة، في انتظار استقرار أمني حقيقي.

لم يكتفِ الانصرافي بالطرح الداخلي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، كاشفًا – بحسب ما يراه مؤيدوه – أن ما يحدث ليس مجرد صراع داخلي، بل أزمة ذات أبعاد خارجية. وقد ساهم ذلك في إعادة تشكيل وعي الشارع السوداني، الذي انتقل من حالة التشتت إلى حالة استقطاب واضحة بين ما يُرى حقًا وما يُرفض كواقع مفروض.

لكن الذروة لم تكن هنا.

الذروة كانت في الواقعة الأكثر إثارة للجدل.

حين خرج الشيخ الأمين بتصريح يتحدث فيه عن تدخل أمريكي واعتقال الانصرافي، لم يكن السؤال: هل هذا صحيح أم لا؟

بل كان السؤال الأكثر وضوحًا وخطورة:

لماذا أمريكا أصلًا؟

لماذا لم يتم اللجوء إلى رئاسة الجمهورية؟

لماذا لم تُقدّم الشكوى إلى الأجهزة الأمنية السودانية؟

من الذي قرر أن القضايا السودانية تُحل خارج السودان؟

وما الفائدة من تدويل نزاع داخلي بهذه الطريقة؟

هذه ليست مجرد أسئلة… بل فجوة كاملة في منطق الدولة.

اللجوء إلى جهة خارجية في قضية داخلية يفتح بابًا خطيرًا:

هل أصبحت المؤسسات السودانية غير كافية؟

أم أن هناك من يحاول تجاوز الدولة نفسها؟

الشارع لم يتعامل مع الأمر كخبر عابر، بل كإشارة مقلقة، وعلامة استفهام كبيرة حول من يدير المشهد فعليًا ومن يملك القرار.

ثم جاءت المفاجأة. خرج الانصرافي، عبر شخصيته المعروفة، لينسف الرواية بالكامل بسخرية واضحة، ويطرح احتمالًا آخر:

أن ما حدث لم يكن سوى محاولة تضليل، أو خلق ضجيج إعلامي لإرباك الشارع وصرف الانتباه.

وهنا عاد السؤال من جديد، ولكن بشكل أكثر حدة:

من المستفيد من نشر مثل هذه الروايات؟

ولماذا الآن؟

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم:

السودان لا يحتاج مزيدًا من الصراعات ولا مزيدًا من الغموض.

السودان يحتاج وضوحًا، وصدقًا، ووحدة حقيقية.

وطن لا يُدار بالشائعات، ولا يُبنى بتدويل أزماته، بل بإرادة أبنائه

Image: Aerrapc

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here